فخر الدين الرازي
25
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ينزل عليكم العذاب بسبب هذا الجهل المفرط والوقاحة التامة الثالث : لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقا ، ولكن لم يظهر أيضا لكم كوني كاذبا فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم . ثم قال تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهُ ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما : أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله عارِضاً كما قال : ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هاهنا الضمير عائد إلى السحاب ، كأنه قيل : فلما رأوا السحاب عارضا وهذا اختيار الزجاج / ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني : أن يكون الضمير عائدا إلى ما في قوله فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضا ، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق ، وقوله مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياما فساق اللّه إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد يقال له المغيث فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ استبشروا و قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا والمعنى ممطر إيانا ، قيل كان هود قاعدا في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فقال : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب ثم بيّن ماهيته فقال : رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ . ثم وصف تلك الريح فقال : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات بِأَمْرِ رَبِّها والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات ، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة اللّه تعالى لأجل تعذيبكم فَأَصْبَحُوا يعني عادا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ وفيه مسائل : المسألة الأولى : روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة ، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار ، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم ، أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأحال اللّه عليهم الأحقاف ، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين ، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر ، وروي أن هودا لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحا لينة هادئة طيبة ، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء وتضربهم على الأرض ، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما أمر اللّه خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا مثل مقدار الخاتم » ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم ، والمقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة اللّه تعالى ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال : « اللّهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به » . المسألة الثانية : قرأ عاصم وحمزة لا يُرى بالياء وضمها مَساكِنُهُمْ بضم النون ، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي لا تَرى على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب ، وفي بعض الروايات عن عاصم لا ترى بالتاء مَساكِنُهُمْ بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم . وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية . ثم قال تعالى : كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ والمقصود منه تخويف كفار مكة ، فإن قيل / لما قال اللّه